السيد محمد الصدر
39
مبحث ولاية الفقيه
أَنْفُسِهِمْ ) « 1 » كما نصَّ على ذلك القرآن الكريم ؛ ليمكنه أن يمارس القيادة بأدقّ صورها وأوسع مفاهيمها . فكان على الفرد أن يضحّي بماله حين يريد القائد وبنفسه حين يشاء ، ويجب أن يتكيّف بالنحو الذي تقتضيه أوامره ونواهيه وما يراه من مصالح وأهداف ، تلك الأوامر والتوجيهات التي لا تصدر إلّا طبقاً للمصالح العليا للإسلام والمسلمين ، حين يكون القائد على مستوى العصمة أو ما يقرب منها على ما سنوضّح . وكان لابدَّ لحياة النبي ( ص ) أن تنتهي ، وكان لابدَّ للتشريع الإسلامي أن يعيش ، فإنَّ « حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة » « 2 » ، فكان لابدَّ أن يمتدّ في المكان ليشمل البشريّة جمعاء ، وأن يمتدَّ في الزمان ليبقى إلى آخر عمر البشريّة المديد . فالتعاليم الإسلاميّة غير مختصّةٍ بمكانٍ معيّن أو زمان معيّن أو قائد خاصّ ، ومن ثمَّ فهي ستكون سارية المفعول بعد النبي ( ص ) . هكذا كان تشريعه الذي جاء به من السماء ، ومن هنا احتاج الإسلام إلى قائد جديد . وليست هذه الفكرة بمحتاجة إلى التدقيق والتّفلسف لتدرَك ، بل هي في غاية الوضوح والبساطة في ذهن أيّ قائدٍ يريد لمبادئه وتعاليمه البقاء بعد حياته والاستمرار في مجتمعه وأُمّته ، فكيف برسول الإسلام وهو سيّد المرسلين الذي اختاره الله تعالى مطبّقاً لعدله واصطفاه مبلّغاً لشريعته وقائداً لأُمّته ؟
--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية : 6 . ( 2 ) أُنظر : الكافي 1 : 58 ، باب البدع والرأي والمقائيس ، الحديث 19 .